مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو

131

الواضح في علوم القرآن

يومنا هذا ، ويسمّون الخلف أو ( المؤوّلة ) ، يقولون : نؤوّل معاني هذه المتشابهات بالاستعانة بآيات أخرى وأساليب البيان ، فيقولون في قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] ننزّه اللّه تعالى عن الجلوس واتّخاذ حيّز ومكان ، ثم نرى أن المراد بها إثبات الملك والسلطان التام للّه تعالى ، فإذا ملك أكبر المخلوقات - العرش - ملك ما دونه . والذي دفع الخلف إلى هذا التأويل وأمثاله هو اختلاط فكرة اليهود المجسّمة للّه تعالى بأفكار بعض الزائغين من المسلمين ، وتعلّق بعض آخر بظواهر النصوص ، وفهمها فهما مستقلا عن غيرها ، علما أنها تمثّل جميعها وحدة كاملة . قال اللّه تعالى في حق اليهود وأمثالهم : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [ الزمر : 67 ] . ج - وذكر الإمام السيوطي مذهبا ثالثا سوى مذهبي السلف والخلف ، وهو مذهب المتوسطين ، فقال : وتوسّط ابن دقيق العيد فقال : إذا كان التأويل قريبا من لسان العرب لم ينكر ، أو بعيدا توقّفنا عنه ، وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد به مع التنزيه ، وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهرا مفهوما من تخاطب العرب قلنا به من غير توقيف ، كما في قوله تعالى : يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [ الزمر : 56 ] فنحمله على حق اللّه تعالى وما يجب له « 1 » . قلت : وعلى هذا يتفق السلف والخلف والمتوسطون على مرادات واحدة في بعض الآيات المتشابهات ، ففي قوله تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [ الرحمن : 26 - 27 ] يبقى ذاته سبحانه . وفي قوله تعالى : فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [ النحل : 26 ] يقولون : أتى عذاب اللّه تعالى المستحقين له .

--> ( 1 ) الإتقان في علوم القرآن ؛ للسيوطي ( 1 / 651 ) .